قضايا المرأة اليمنية
دراسات وأبحاث النوع الاجتماعي في اليمن: بين الريادة والتحديات
منذ مصادقة اليمن على اتفاقية "سيداو" للقضاء على التمييز ضد المرأة، ظل مسار دراسات النوع الاجتماعي متأرجحًا بين الطموح الأكاديمي والقيود السياسية والاجتماعية.
في عام 1997 دشنت الراحلة الدكتورة رؤوفة حسن أول مركز أكاديمي باسم "مركز الدراسات والبحوث النسوية"، ثم تحوّل في 2005 إلى "مركز أبحاث ودراسات النوع الاجتماعي والتنمية"، وكان نموذجًا رائدًا إقليميًا.
مع مرور الوقت، واجه المركز ضغوطًا سياسية واجتماعية أجبرت القائمين عليه على تغيير اسمه أكثر من خمس مرات، آخرها "مركز ابحاث التنمية الشاملة"، مع إقصاء موضوعات النوع الاجتماعي من المقررات والتعريف الرسمي.
محاولة إدماج
ومنذ 2001، حاولت اللجنة الوطنية للمرأة بصنعاء إدماج النوع الاجتماعي في السياسات العامة، وأعدّت في 2003 استراتيجية النوع الاجتماعي، لكنها ظلت حبيسة الأدراج لمدة عام برئاسة الوزراء، ثم أُقرت في غضون شهر بعد تعديل اسمها إلى "استراتيجية تنمية المرأة" ونُفذت بين 2006–2010م.
لعبت اللجنة خلالها دورًا مهمًا في الخطة الخمسية الثالثة، ونفذت حملات وورش عمل لتعزيز الوعي بمصطلح النوع الاجتماعي وبالفجوة بين الجنسين في التعليم والصحة والتمكين الاقتصادي والسياسي. وفق ما أوضحت إحدى الخبيرات، فضلت عدم ذكر اسمها.
وأضافت: " كانت المؤشرات تتحسن حتى 2010، لكن الحرب قلبت المعادلة: نسبة التحاق الفتيات بالمدارس الأساسية هبطت من 86% عام 2014 إلى نحو 40% حاليًا، فيما تراجعت نسبة الذكور من 93% إلى نحو 60%". وتابعت الخبيرة أن اللجنة أعدّت 14 دراسة نوعية عام 2014، لكنها لم تُنشر، وأن آخر تقرير وطني قُدم إلى لجنة بيجين في العام نفسه، ومنذ ذلك الحين تراجع الاهتمام الرسمي، بينما بقيت النساء والأطفال الأكثر تضررًا من الحرب.
مديرة إدارة الإعلام في اللجنة الوطنية للمرأة بعدن، ماريا راشد، بينت أن وقف جهاز الإحصاء المركزي والحرب تسبّبا في ضعف دراسات النوع الاجتماعي، مُشيرة إلى أن التحدّي الأبرز يكمن في «سوء فهم المصطلح»، إذ يُختزل غالبًا في البعد البيولوجي.
وأكدت أن ربط قضايا المرأة بالتنمية المستدامة يتطلّب إدماج النوع الاجتماعي في السياسات العامة وموازنة الدولة.
كما لفتت إلى أن إنشاء مركز دراسات النوع الاجتماعي واجه «تحريضًا» رغم دعم اللجنة، داعية إلى رفع الوعي ومحاربة العادات المتطرفة التي تقف عائقًا أمام تمكين المرأة.
تجارب المحافظات
تأسس في جامعة عدن عام 2006 مركز لدراسات المرأة لم يشِر اسمه مباشرة للجندر، لكن محتوى المقررات احتوى على مضمون النوع الاجتماعي وفق د. هدى باعلوي، رئيسة القسم، خرج المركز أكثر من 300 طالب وطالبة (75% إناث)، كثير منهم تولوا مواقع قيادية، واحتضن المركز طلابًا من صنعاء لاستكمال ماجستير النوع الاجتماعي، لكن لم يتمكنوا من معادلة مقرراتهم بسبب غياب بعض المساقات الأساسية المتعلقة بالمرأة في برامجهم السابقة في صنعاء وهو ما دفعهم إلى دراسة هذه المساقات في عدن لاستكمال متطلبات استكمال تخرجهم من الماجستير.
وتستعد الجامعة اليوم لافتتاح برنامج دكتوراه في هذا المجال لتعزيز البحث والتأهيل الأكاديمي المتقدم.
وتختلف الأوضاع في حضرموت تمامًا، فوفقًا للإعلامية أروى بايزيد، لم يُنشأ أي مركز متخصص بالنوع الاجتماعي حتى الآن. يُعزى هذا الغياب إلى الطبيعة المحافظة للمجتمع والرقابة المشددة على أي كيان نسوي. ومع ذلك، حاولت مؤسسات مثل اللجنة الوطنية للمرأة واتحاد النساء سد هذا الفراغ من خلال أرشفة وتوثيق إنجازات ومسيرة التعليم والعمل النسوي عبر عقود، شمل ذلك إصدار كتب مثل "رائدات التعليم في حضرموت" (2005) وتنظيم فعاليات تكريمية.
ويُعد "مركز دراسات النوع الاجتماعي" في تعز مشروعاً وُلِد في يونيو 2023م بهدف التخصص في دراسات النوع الاجتماعي وتعزيز دور المرأة، إلا أنه مشروع قيد التوقف حالياً.
وفي هذا الإطار، تقول المحامية بنيان جمال: "من منطلق مصادقة اليمن على 'سيداو' أُنشئت مراكز النوع الاجتماعي لتعزيز حقوق النساء ونشر التوعية بالانتهاكات، لكن هذه المراكز تواجه حملة ممنهجة ضد كل ما يتعلق بالجندر وحقوق المرأة".
وتضيف جمال، في وصفها لطبيعة هذه الحملة: "الهجوم لا يقتصر على الدراسات فحسب، وإنما يمتد لإقصاء النساء من المراكز السياسية والحكومية، وصولًا إلى فرض قيود على سفرهن" إنها حملة ممنهجة تُغذّيها آلة إعلامية ودينية مرتبطة بكراهية المجتمع المدني والنساء، وكل ما يمثل شكلًا من أشكال الدولة."
انفوجرافك:
الجندر والمجتمع المحافظ
ويشير الدكتور أستاذ علم الاجتماع، عبد الكريم قاسم في حديثه لمنصة هودج إلى أن الدراسات الجندرية فاعلة رغم تحديات الحرب، إذ تسلط الضوء على العوامل المتجذرة في الثقافة اليمنية بشأن التمييز، وتطرح سبل التغلب عليها عبر التعليم، التدريب، وتمكين النساء اقتصاديًا واجتماعيًا.
لكن من جهة أخرى، أوضح قاسم أن المجتمع يواجه صعوبة في تقبل هذه الدراسات بسبب النزعة التقليدية المحافظة التي تعززت بفعل الحرب ومنحت المتشددين دينيًا واجتماعيًا منصات واسعة في الإعلام ووسائل التواصل، ما غذّى خطابًا مناهضًا للمساواة والتغيير، وربطوا النوع الاجتماعي بالعداء للقيم المحلية، إضافة إلى أن الدراسات قُدمت بمرجعيات أكاديمية غربية، ما جعل البعض يربطونها بقضايا مثيرة للجدل كالتحول الجنسي والمثلية، رغم أن الدراسات المحلية تركز على التنمية الشاملة، التعليم، البيئة، وتمكين النساء، بعيدًا عن هذه الطروحات الغربية المتطرفة
ويؤكد" قاسم "أن المجتمع اليمني لا يزال بعيدًا عن هذه الطروحات، وأن جوهر الدراسات يتمحور حول تحقيق العدالة الاجتماعية والتمكين الاقتصادي دون المساس بركائز المجتمع.
بعنوان التداعيات الأمنية لاستخدام المنهجيات النسوية لدراسة العنف القائم على النوع الاجتماعي في اليمن للدكتورة سوسن الرفاعي (2024) كشفت أن الباحثين واجهوا رقابة مشددة وتهديدات أمنية مباشرة، ما دفع البعض لحذف مفردات" الجندر" من المقررات، واستخدام أدوات أكثر تحفظًا، الأمر الذي انعكس سلبًا على جودة البحث وتهميش أصوات النساء.
ان تجربة دراسات النوع الاجتماعي في اليمن تعكس تناقضات واضحة: البداية الأكاديمية في صنعاء، الاحتضان والتأهيل في عدن، والفراغ في حضرموت، وسط ضغوط سياسية واجتماعية وأيديولوجية ومع استعداد جامعة عدن لافتتاح الدكتوراه، وإصرار اللجنة الوطنية للمرأة على إدماج النوع الاجتماعي في السياسات العامة، يبقى الأمل قائمًا لإحياء هذا الحقل كأداة أساسية لتحقيق العدالة والتنمية، وتمكين المرأة اليمنية ضمن بيئة متوازنة تحترم قيم المجتمع.
نُشرت هذه المادة في منصة هودج، صحيفة الوطن توداي تعيد نشرها بناء على مذكرة تفاهم مشتركة تتعلق بنشر المواد الصحفية التي يتم إعدادها في إطار مشروع "دعم الإعلام في اليمن".
نُشرت هذه المادة في منصة هودج، صحيفة الوطن توداي تعيد نشرها بناء على مذكرة تفاهم مشتركة تتعلق بنشر المواد الصحفية التي يتم إعدادها في إطار مشروع "دعم الإعلام في اليمن".