تقارير
من معارك عدن إلى كهبوب.. قصة صعود ألوية العمالقة الجنوبية
قوات العمالقة الجنوبية
في جغرافيا يمنية تتغير فيها خطوط النار بسرعة، عادت ألوية العمالقة الجنوبية إلى الواجهة من بوابة كهبوب. الجبهة الواقعة على الحدود بين لحج وتعز تحولت خلال سبتمبر 2026 إلى واحدة من نقاط الاشتباك الرئيسية، مع محاولات حوثية للسيطرة على المرتفعات المطلة على السهل الساحلي وباب المندب.
وتقول مصادر عسكرية موالية للحكومة إن العمالقة الجنوبية بدعم من ابناء قبيلة الصبيحة أعادت السيطرة على مواقع في جبل كهبوب في 17 سبتمبر، فيما وثق معهد "دراسة الحرب" استمرار دفاع العمالقة عن مواقعها في المنطقة أمام هجمات حوثية متكررة. كما أفاد مركز مكافحة التهديدات التابع للمعهد بأن الألوية صدت محاولات تقدم حوثية في 27 و28 سبتمبر.
ولا تقف أهمية المعركة عند حدود الجبل. فكهبوب تقع على مسافة تقارب 30 كيلومترًا شمال مواقع حوثية قرب باب المندب، وتمنح المرتفعات المسيطر عليها القوات الموجودة فيها أفضلية على السهل الساحلي المفتوح. ولهذا أصبحت السيطرة على هذه المرتفعات جزءًا من معركة أوسع تتصل بأمن الساحل وخطوط الحركة بين تعز ولحج وباب المندب.
قوة بدأت من عدن
لم تولد العمالقة الجنوبية كقوة مكتملة البناء. جذورها تعود إلى المقاتلين الجنوبيين الذين شاركوا في مقاومة الحوثيين في عدن خلال 2015، قبل أن تتوسع التشكيلات مع انتقال الحرب إلى الساحل الغربي.
وتشير دراسة لمركز صنعاء للدراسات إلى أن العمالقة الجنوبية تشكلت بدعم إماراتي خلال 2016 بهدف استعادة مناطق الساحل الغربي حول باب المندب والمخا. كما تشير مصادر أخرى إلى أن غالبية المقاتلين الأوائل جاؤوا من المقاومة الجنوبية التي تشكلت في عدن، خصوصًا من محافظات عدن وأبين ولحج والضالع، إلى جانب مقاتلين من خلفيات سلفية.
ومع اتساع العمليات، انتقلت القوة من تشكيلات محلية إلى ألوية منظمة. وبحلول 2017 أصبحت العمالقة طرفًا رئيسيًا في العمليات على الساحل الغربي، قبل أن تتقدم باتجاه الحديدة ضمن القوات المشتركة المدعومة إماراتيًا.
هناك تحديدًا صنعت العمالقة جزءًا كبيرًا من سمعتها العسكرية. فقد شاركت في الهجوم الذي وصل إلى أطراف مدينة الحديدة ومينائها عام 2018، قبل أن يتوقف التقدم العسكري مع اتفاق ستوكهولم في نهاية العام.
لكن توقف المعارك في الحديدة لم ينهِ دور الألوية. فقد بقيت قوة عسكرية منظمة، وأعيد توزيع وحداتها على جبهات مختلفة، وهو ما جعلها قادرة على الانتقال من الساحل الغربي إلى جبهات جنوبية أخرى.
من الساحل إلى شبوة ومأرب
ظهر هذا الدور بوضوح في نهاية 2021 وبداية 2022، عندما أعيد نشر وحدات من العمالقة باتجاه شبوة لمواجهة تقدم الحوثيين.
وخلال عملية "إعصار الجنوب"، شاركت الألوية في استعادة مديريات كانت قد سقطت بيد الحوثيين، ثم امتدت عملياتها إلى جنوب مأرب. ووفق مركز صنعاء، تمكنت القوات من إخراج الحوثيين من مناطق في شبوة ثم شاركت في عمليات بمحافظة مأرب المجاورة.
هذه المرحلة كشفت إحدى السمات الأساسية للعمالقة: القدرة على إعادة توزيع القوة بين جبهات متباعدة. فالقوة التي بنت خبرتها على الساحل الغربي أصبحت قادرة على خوض معارك في بيئات جبلية وصحراوية مختلفة.
لماذا كهبوب الآن؟
المواجهة الحالية مختلفة عن معركة الحديدة أو عملية شبوة. فقوات العمالقة الجنوبية تواجه هذه المرة محاولة حوثية للتمركز على المرتفعات القريبة من باب المندب.
وتشير التقديرات العسكرية المنشورة في سبتمبر إلى أن الحوثيين يسعون إلى السيطرة على المرتفعات المطلة على الساحل لمنع القوات الحكومية من استخدامها كنقاط تفوق ناري ومراقبة، بينما تحاول القوات الحكومية الاحتفاظ بها. وقد عززت العمالقة مواقعها الدفاعية في محيط كهبوب، وفق تحليل استند إلى صور أقمار صناعية ومعلومات ميدانية.
وفي المقابل، أعلنت العمالقة عن عمليات هجومية ضد الحوثيين في كهبوب والوازعية، وقالت في 18 سبتمبر إنها دمرت أربع مركبات حوثية وأسقطت طائرة مسيرة. وهذه الأرقام تظل، من الناحية الصحفية، ضمن المعلومات التي تنسب إلى بيانات الألوية نفسها، في حين تؤكد المصادر المستقلة وقوع القتال ومحاولات التقدم الحوثية واستمرار الدفاع عن المرتفعات.
اختبار جديد لقوة قديمة
بعد أكثر من عقد على ظهورها، دخلت العمالقة الجنوبية معركة كهبوب وهي تحمل إرثًا ميدانيًا بدأ من أحياء عدن، مرورًا بالمخا وباب المندب والحديدة، ثم شبوة ومأرب.
لكن الخبرة السابقة لا تعني أن المعركة الحالية محسومة. فالمواجهات على الحدود بين تعز ولحج ما تزال مستمرة، والحوثيون يحاولون الحفاظ على مواقعهم وتعزيز خطوطهم في محيط باب المندب، بينما تسعى القوات الحكومية ممثلة بقوات العمالقة الجنوبية ودرع الوطن مسنودة بقبائل الصبيحة في جبهات الصبيحة وكهبوب والجيش اليمني في تعز إلى تثبيت وجودها في المرتفعات ومنع انتقال المعركة إلى مناطق جديدة.
لهذا، فإن أهمية العمالقة في المرحلة الراهنة لا تختصر في عدد المواقع التي أعلنت استعادتها، بل في قدرتها على الحفاظ على خطوط الدفاع في منطقة شديدة الحساسية جغرافيًا، وإجبار الحوثيين على خوض معركة مرتفعات قبل الوصول إلى الساحل.