تراجع عن الدعم أم تصحيح مسار الهدر في دعم المنظمات الدولية الإنسانية التابعة للأمم المتحدة، وأطر تشغيلها، خاصة في مناطق النزاعات، وتقليل الازدواجية والقضاء على البيروقراطية.
ربما لم ينحرف مليمتراً واحداً عن الصواب السيد مايك والتز، السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة، بقوله في مؤتمر الأمم المتحدة المنعقد في الرابع عشر من شهر مايو الماضي إن واشنطن لا تسعى إلى وقف تمويلها للأمم المتحدة، وإنما إن الولايات المتحدة تسعى إلى دعم ما وصفه بإصلاح منظومة العمل الإنساني داخل الأمم المتحدة، مشيراً إلى أن واشنطن وقّعت في كانون الثاني/ديسمبر الماضي مذكرة تفاهم تضمنت تمويلاً بقيمة ملياري دولار لدعم خطة "إعادة ضبط" العمل الإنساني التي يقودها مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة، والذي تم الإعلان عنه في المؤتمر ذاته، عن تمويل أمريكي مالي جديد من واشنطن لمنظمة الأمم المتحدة بقيمة 1.8 مليار دولار لدعم العمليات الإنسانية، إلى جانب عرض تفاصيل الإصلاحات التي تقول واشنطن والأمم المتحدة إنهما تعملان على تنفيذها داخل النظام الإنساني الدولي. وربما كان محقاً جداً السيد والتز في معرض حديثه في مؤتمر الأمم المتحدة الإنساني المشار إليه، والذي حضره وشارك فيه كلٌّ من مايك والتز، بصفته الممثل الدائم للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، وجيريمي لوين، المسؤول الأمريكي المعني بملف المساعدات الإنسانية والإصلاحات التمويلية، إضافة إلى توم فليتشر، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة الطارئة.
ونعود لنقول إن ما يؤكد أن ما يُطرح من تسريبات وشائعات صحافية حول سعي الولايات المتحدة الأمريكية نحو وقف تمويلها المالي كلياً للأمم المتحدة ومنظماتها الإنسانية غير صحيح البتة، خصوصاً في بلدان الصراعات مثل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وكذلك لبنان واليمن، هو تأكيد السيد مايك والتز في مؤتمر الأمم المتحدة الإنساني آنف الذكر أن التمويل الجديد يأتي استكمالاً لهذا المسار، معتبراً أن الهدف هو تقليل الازدواجية والبيروقراطية ورفع نسبة الأموال التي تصل مباشرة إلى الأشخاص المحتاجين. كما أشار إلى أن الأمم المتحدة شهدت هذا العام، بحسب قوله، أول خفض في ميزانيتها العادية، إلى جانب تقليص بعض بعثات حفظ السلام التي اعتبرت الولايات المتحدة أنها استمرت لفترات طويلة دون تحقيق أهدافها المعلنة.
وأكد والتز أن هناك "رواية خاطئة" تتحدث عن تراجع الولايات المتحدة عن دعم الأمم المتحدة أو العمل الإنساني، معتبراً أن حجم التمويل الذي تم الإعلان عنه خلال الأشهر الماضية يعكس استمرار واشنطن في لعب دور رئيسي في تمويل المساعدات الإنسانية. كما شدد على أن الإدارة الأمريكية ترى أن أي أموال تُخصص للعمل الإنساني يجب أن تُستخدم "بأكبر قدر ممكن من الكفاءة والشفافية"، على حد تعبيره.
من جهته، عرض توم فليتشر تفاصيل الخطة الإنسانية للأمم المتحدة لعام 2026، موضحاً أن المنظمة تسعى إلى الوصول إلى 87 مليون شخص بمساعدات "منقذة للحياة" بتكلفة تُقدر بـ23 مليار دولار. وقال إن هذا الرقم يقل عن 1% مما ينفقه العالم على الأسلحة والأمن، مضيفاً أن المجتمع الإنساني يواجه في الوقت الحالي ارتفاعاً كبيراً في الاحتياجات الإنسانية يقابله تراجع في حجم التمويل الدولي المتاح. وأوضح أن نحو 300 مليون شخص حول العالم يحتاجون إلى المساعدة الإنسانية، بينما تواجه المنظمات الإنسانية ضغوطاً متزايدة بسبب النزاعات المسلحة وتراجع التمويل.
وأشار فليتشر إلى أن التمويل الأمريكي السابق، البالغ ملياري دولار، جاء في مرحلة وصفها بالحرجة بالنسبة للنظام الإنساني، في وقت كانت فيه سلاسل الإمداد الإنسانية تتعرض لضغوط كبيرة، وكانت عمليات العديد من المنظمات مهددة بالتوقف. وقال إن الأمم المتحدة تمكنت خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام من الوصول إلى 14.4 مليون شخص بمساعدات إنسانية، مضيفاً أن 1.71 مليار دولار من أصل التمويل الأمريكي السابق دخلت بالفعل مرحلة التنفيذ في 18 أزمة إنسانية مختلفة، مع خطط للوصول إلى نحو 22 مليون شخص من خلال ذلك التمويل وحده.
كما قدم المسؤول الأممي تفاصيل إضافية بشأن طبيعة المساعدات التي تم تقديمها، موضحاً أن أكثر من ستة ملايين شخص تلقوا مساعدات غذائية، بينما جرى توفير مياه آمنة وكافية لنحو 10.4 مليون شخص، إضافة إلى دعم أكثر من 690 منشأة صحية. وأشار أيضاً إلى تقديم مساعدات مباشرة لنحو 779 ألف أسرة، إلى جانب دعم مئات الآلاف من الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية الحاد. كما أكد أن جزءاً مهماً من التمويل خُصص لدعم النساء والفتيات، لا سيما الناجيات من العنف الجنسي في مناطق النزاعات.
• إصلاحات في دواليب عمل الأمم المتحدة تعزز استمرار التمويل الأمريكي:
وتحدث فليتشر كذلك عن الإصلاحات التي تقول الأمم المتحدة إنها تنفذها داخل النظام الإنساني، مشيراً إلى العمل على تقليص الازدواجية والبيروقراطية، ومنح فرق العمل المحلية في الدول المتضررة صلاحيات أوسع لتحديد الأولويات الإنسانية. كما أشار إلى إنشاء منصات إلكترونية جديدة تسمح بتتبع الإنفاق الإنساني بشكل أكثر تفصيلاً، بما في ذلك الجهات المنفذة والنتائج الميدانية، مؤكداً أن هذه الخطوات تهدف إلى تعزيز الشفافية والمساءلة أمام الدول المانحة.
٠ تقليص النفقات الإدارية وتعزيز الرقابة وتتبع الأموال
بدوره، تحدث لوين بإسهاب عن الرؤية الأمريكية الجديدة لتمويل العمل الإنساني، موضحاً أن الإدارة الأمريكية الحالية تعتبر أن النظام السابق لم يكن يحقق الكفاءة المطلوبة من وجهة نظر دافعي الضرائب الأمريكيين. وقال إن واشنطن رأت أن جزءاً من الأموال الإنسانية كان يُصرف على تكاليف إدارية مرتفعة أو على برامج لا ترتبط مباشرة بالمساعدات "المنقذة للحياة"، مضيفاً أن الإصلاحات الجديدة تهدف إلى تقليص النفقات الإدارية وتعزيز الرقابة وتتبع الأموال بصورة أكثر دقة. وأوضح لوين أن الولايات المتحدة والأمم المتحدة عملتا خلال الأشهر الماضية على تطوير نموذج تمويل يعتمد على "صناديق مشتركة" تُخصص للدول والأزمات التي تتداخل فيها الأولويات الإنسانية مع المصالح الأمريكية، على حد قوله. وأضاف أن هذا النموذج يعتمد على تتبع مباشر للإنفاق والنتائج الميدانية، مع التركيز على إيصال المساعدات بسرعة أكبر وتقليل التكاليف التشغيلية. كما أشار إلى أن فرقاً ميدانية تعمل على مراقبة احتمالات الهدر أو تحويل المساعدات بعيداً عن مستحقيها، مع مشاركة البيانات بشكل مستمر بين الأمم المتحدة والجانب الأمريكي.
وخلال المؤتمر، أعلن المسؤولان الأمريكيان أن قائمة الدول المستفيدة من التمويل ستتوسع لتشمل دولاً إضافية مثل لبنان وفنزويلا وجمهورية أفريقيا الوسطى، مع الإشارة إلى أن التمويل الجديد يأتي ضمن توجه أمريكي طويل الأمد لإعادة تشكيل طريقة تمويل العمليات الإنسانية الدولية.
وختاماً، نشاطر الحكومة الأمريكية القلق إزاء تغيير طرق وصول المساعدات في مناطق الصراع في لبنان وفلسطين، وكذلك اليمن، إلى مستحقيها، عبر طرق تمويل جديدة وشفافة، تقطع الطريق على المنظمات الإرهابية والميليشيات غير المعترف بهم دولياً، وتحرمهم من استغلال المساعدات الدولية كبيئة خصبة وملاذ آمن لتمويل عملياتهم العسكرية الإرهابية، مما يتسبب في حرمان الملايين من الناس في البلدان التي تشهد نزاعات من تلك المساعدات على اختلاف أنواعها، عينية كانت أو طبية أو مالية.
وربما يفيد التذكير بأنه في اليمن كان الحوثيون يبيعون المواد الغذائية وحقائب أطفال المدارس الممولة من منظمات وصناديق الأمم المتحدة الإنسانية المخصصة لليمن، والصور التي كنا نراها في أسواق صنعاء وإب وهي تُباع في الأسواق لا تكذب أبداً. وليس ببعيد أيضاً، وحسب مصادر متعددة، يحدث استغلال للمساعدات الإنسانية والغذائية في مختلف مناطق النزاع من قبل الجهات والميليشيات المسيطرة.
ولهذه الأسباب نرى أن واشنطن والولايات المتحدة الأمريكية وإدارة الرئيس الحالي دونالد ترامب قد تكون محقة في إعادة رسم سياسة جديدة تنظم آلية توزيع ووصول المساعدات الإنسانية الأممية إلى مستحقيها في مناطق الصراع في فلسطين وقطاع غزة ولبنان، والمناطق التي تعاني من مجاعات مثل اليمن وأفريقيا الوسطى، بعيداً عن كمائن الجماعات والميليشيات الإرهابية.
فنحن مع تنظيم وصول المساعدات لمستحقيها، وليس وقف المساعدات للأمم المتحدة من قبل واشنطن.