من ذاكرة السكن الجامعي في تعز.. شهادة طالبة ورسالة إلى المسؤولين

الوطن توداي / خاص :

 في الوقت الذي تثير فيه الزيادات الأخيرة في رسوم السكن الجامعي بجامعة تعز مخاوف مئات الطالبات وأسرهن، تعود الصحفية سماح عملاق بذاكرتها إلى سنوات إقامتها داخل السكن، مستحضرةً تفاصيل الحرب والنزوح، وقسوة الحياة الجامعية، والوجوه التي صنعت فارقًا في أصعب مراحل حياتها، قبل أن توجه رسالة إلى المسؤولين تدعو فيها إلى حماية حق الفتيات في التعليم.

 

تقول سماح:

 

«"عشتُ في هذا المبنى آخر عامين دراسيين لي في الجامعة، كنتُ قبلها قد تنقلتُ بين شقة استأجرتها العائلة وعزب طالبات مختلفات، هرموا بالإيجار الذي يقتطع نصف راتب والدي أيام الدخل المرحوم، وبدأ دبور 2014.»

 

«نزحتُ للبلاد مرغمة، وحُرمتُ من الحضور وجاهيًا خلال النصف الثاني من العام الدراسي الأول.»

 

«اختبرتُ الفصل الدراسي الثاني في جامعة إب كمركز اختباري يتبع جامعة تعز، حين تشتت الطلبة بين صنعاء وإب والتربة والحوبان، الحرب جعلت قاعات الدراسة أطلالًا خاوية على عروشها، سافرتُ بعدها نصف يوم من كل يوم دوام إلى الحوبان من قريتي في إب، لأكون مواكبة دون جدوى؛ وذلك بعد أن ابتكرت جامعة تعز فرعًا لطلبتها النازحين في بيت الشباب.»

 

«تراجعتُ علميًا وكنتُ أنافس على المقاعد الثلاثة الأولى، تدهورت نفسيتي كفتاة ريفية، اقتنع أهلي بمعجزة أن أجازف بدخول المدينة التي لم تزل تحت خط النار، سكنتُ في عزبة مع طالبات صبريات بمحض الصدفة ودعوة الوالدين، ثم ضاقت السبل حتى وجدتني أراسل الدكتور محمد حاتم الدعيس: هل تستطيع أن تساعدني بالانتساب للسكن الجامعي خلال يوم غد، أم أحزم أمتعتي وأعود إلى قريتي معززة مكرمة؟»

 

وتوضح أن إجراءات القبول في السكن كانت تستغرق أسابيع، إلا أن ظروفها دفعت إدارة الجامعة إلى التعامل مع طلبها بصورة عاجلة، لتبدأ رحلة جديدة داخل مبنى سيغير الكثير في شخصيتها.

 

وتستعيد أول لحظة دخلت فيها السكن، قائلة:

 

«"لازلتُ أتذكر هزتي من الأعماق مع أول لقطة دخلتُ فيها بعد العصر، خرجت المشرفة وكانت ابنة الحارس الذي يسكن على بعد ثلاثة أمتار فقط، ورزعت البوابة الكبيرة فجأة، انقبض شيءٌ ما في داخلي، شعرتُ بأجنحتي تتهاوى فتاتًا وأنا بنت الحقول الممتدة بامتداد الخيال."»

 

وتروي كيف كانت الطالبة "عبير" أول من مد لها يد العون، حين حملت حقيبتها الثقيلة إلى الطابق الرابع، ثم عادت بعد ساعات لتدعوها إلى تناول العشاء، رافضة أن تتقاضى منها ثمن الطعام، قائلة لها: "عيب يا بنت، أنتِ ضيفتنا اليوم، من بكرة نفرق."

 

وتشير سماح إلى أن السكن الجامعي كان قد أعيد افتتاحه بعد خمس سنوات من الإغلاق، بينما كانت آثار الحرب لا تزال واضحة على جدرانه وأرضياته، في ظل انقطاع الكهرباء، وصعوبة توفير المياه، وطوابير الانتظار للحصول على أبسط الخدمات.

 

وتضيف أن الحياة داخل السكن كانت تقوم على نظام صارم، يفرض على الطالبات الالتزام بالمواعيد، والمشاركة في أعمال النظافة والطهي، والحضور الليلي، إلى جانب متابعة الدراسة، وهو ما جعل السكن، بحسب وصفها، "عالمًا يشبه اليمن كله"، يجمع الخير والشر، والقوة والضعف، والفقر والأمل في مكان واحد.

 

وتشيد بإدارة السكن آنذاك، وعلى رأسها الأستاذة حليمة حمادي، التي وصفتها بأنها "أم حنونة"، كما تستذكر مواقف نائب رئيس الجامعة لشؤون الطلبة حينها الدكتور رياض العقاب، مؤكدة أنه كان يتعامل مع قضايا الطالبات بجدية ومسؤولية.

 

وتكشف أن التجربة غيّرت كثيرًا من أسلوب حياتها، إذ أعادت معظم ملابسها إلى منزل أسرتها، وتبرعت بجزء منها بعدما رأت زميلات لا يملكن سوى عدد محدود من الملابس، معتبرة أن من غير اللائق أن تتميز عنهن في ظل أوضاعهن المعيشية الصعبة.

 

وفي ختام شهادتها، تعبر سماح عن قلقها من الارتفاع الكبير في رسوم السكن الجامعي، متسائلة عن أحوال الطالبات اللواتي يعشن اليوم الظروف ذاتها التي عاشتها، بل في أوضاع اقتصادية أكثر قسوة.

 

وتوجه رسالة إلى إدارة الجامعة والجهات المعنية، تدعو فيها إلى مراعاة أوضاع الأسر محدودة الدخل، مؤكدة أن السكن الجامعي ليس مجرد مكان للإقامة، بل طوق نجاة لفتيات قد يحرمن من التعليم إذا أصبحت الرسوم فوق قدرات أسرهن.

 

وتختم رسالتها بالقول إن كثيرًا من الآباء والأمهات يدفعون ببناتهم إلى هذا السكن على أمل أن يعدن طبيبات ومهندسات وإعلاميات ومربيات، محذرة من أن أي زيادة لا تراعي الواقع الاقتصادي قد تحطم أحلام أسر بأكملها، وتجبر طالبات على مغادرة مقاعد الدراسة وهن يحملن خيبات لا تقل قسوة عن الحرب.