تقارير

الإعلام المستقل بقيادة النساء.. بين التحديات وعوائق الاستدامة

صورة تعبيرية مولّدة بالذكاء الاصطناعي، تجسّد التحديات التي تواجه استدامة المنصات الإعلامية النسوية في اليمن، وجهود الصحفيات لمواصلة العمل وتعزيز استقلالية الإعلام النسوي.

الوطن توداي - نور سريب :

 

تصارع منصة "شيدر" كل العوامل التي تحول دون استمراريتها منذ فبراير شباط 2022، وتواصل العمل بحد يضمن لها البقاء على قيد الحضور وإثبات تواجدها في الفضاء الرقمي، رغم التحديات.

 تعد "شيدر" إحدى المنصات النسوية التي وضعت بصمتها المتخصصة؛ من خلال إبراز قصص النجاح والجانب الإيجابي للنساء اليمنيات، فتنشط تارة وتخمل تارة أخرى؛ لأسباب تعيدها رئيستها إلى صعوبات عدة، على رأسها انعدام التمويل.

في حديثها للوطن توداي، تقول رئيسة المنصة أصالة الحداد: بدأنا بطاقم من سبع فتيات ومصمم جرافيك، بشكل تطوعي كامل لنقل الصور الإيجابية بدلاً من الأخبار الكئيبة المأساوية التي تركز عليها غالبية المنظمات"، وهو السبب الذي تراه الحداد يقف وراء عدم حصول منصتها على دعم من أي جهة، إلى جانب عدم ارتباطها بتوجهات معينة.

مسيرة "شيدر" المستمرة بتذبذب يسوده توهج مؤقت وسط الخفوت الدائم، يعود إلى جهود تطوعية من أصالة وفريقها الذي لم يعد قادراً على الاستمرار، بغصّة، تعبر الحداد عن ذلك: عملنا تطوعياً طوال أربع سنوات، وتشتت أعضاء الفريق لاحقاً لتأمين مصادر رزقهم، وأصبحنا نعمل بفترات متقطعة وبشكل مناسباتي نواكب الأيام والحملات العالمية المرتبطة بالمرأة.

معاناة "شيدر" تتجاوز التمويل إلى ضعف الإنترنت في مناطق عديدة، ولا تخلو من مخاوف أمنية بالنظر إلى وضع البلاد منذ مطلع عام 2015.

 

أرقام تتجاوز الأزمة

بقاء شيدر المتحدي لصعوبات الاستدامة لا تشجعه الأرقام، فبحسب تقرير لنقابة الصحفيين اليمنيين، أدت الحرب إلى إيقاف 165وسيلة إعلامية، منها 54 أوقفها أطراف الحرب، و111 توقفت بسبب التأثيرات الأمنية والاقتصادية.

وفي دراسة أخرى للنقابة حول ملكية واستقلالية وسائل الإعلام في اليمن، أُشير إلى أنه خلال السنوات السبع الماضية تم تأسيس 82 موقعاً إخبارياً، فيما توقف 33 موقعاً خلال الفترة نفسها.

حالة لم تدفع بأصالة إلى الاستسلام، بل واصلت محاولاتها بالتواصل مع جهات اقترحت عليها الاتجاه للبودكاست، توجه أنتج بودكاست "شوهة رمضانية" بالتعاون مع منصة "نسوان فويس"، الذي حقق صدى، ولكن العمل يظل غير منتظم لغياب الدعم"، كما تقول.

 

تحديات أمنية وسياسية

يعد موقع "المنتهى نت" أحد المشاريع التي ظهرت وحققت انتشاراً واسعاً في عدن، واستمر العمل بشكل ناجح، لكنه توقف نهائياً بعد ثلاث سنوات من انطلاقه.

تقول رئيسة التحرير دنيا خالد عن تجربتها: تأسست منصتنا عام 2019 لتغطية كل ما يخص قضايا المجتمع المدني، وعلى رأسها الانتهاكات التي تواجه النساء والأطفال، ونقل صوتهم للجهات المعنية، تطورت المنصة وبلغ طاقمها أربعة محررين إضافة إلى رئيسة التحرير، وكان إنتاجها يحظى بأربعة آلاف مشاهدة للخبر الواحد بمرور ساعة من النشر.

ورغم هذا، بدأت المنصة تواجه صعوبات مع توقف تمويل المانحين؛ حيث كانت تعتمد عليه في تغطية وتمويل الأخبار وترسيخ اسم المنصة، وفقا لدنيا التي اضطرت تدريجياً لتوقيف الطاقم وعجزت عن دفع رسوم الاستضافة السنوية، وهذا ما تسبب في توقف المنصة بشكل نهائي.

عند بحث دنيا عن دعم لاستمرار منصتها، واجهت شرطاً من بعض الجهات بمهاجمة أطراف سياسية معينة للحصول على الدعم، وهو ما رفضته كلياً، كما تقول.

أما مؤسسة "المراسل" التي انطلقت قبل حرب 2015 وحاولت الاستمرار مجدداً بعد تحرير عدن، فلها تجربتها الخاصة. تحكي كفاء الهاشلي، رئيسة المؤسسة، عن تلك التجربة: تأسست المؤسسة مطلع 2015، ودُشن العدد الورقي والموقع في سبتمبر 2016، بهدف معالجة نقل الأخبار من غير المراسل المهني، وتدريب المراسلين الميدانيين وإنتاج صحافة استقصائية. 

كان فريق المراسل يضم سبعة موظفين فنيين وأكثر من 15 مراسلاً ميدانياً ومصححاً لغوياً ومدير تحرير، لكنه واجه تحديات عدة، تعبر عنها الهاشلي بالقول: اندلعت الحرب بعد ثلاثة أشهر، وتوالت من انقلاب، وغياب الأمن، وتوقف الجهات المانحة ومغادرتها اليمن. 

عند استئناف النشاط في عدن، تم السطو على الموقع الإلكتروني وأخذ اسمه وحذفه من التراخيص بصنعاء، مثل هذا تحدياً وجوديا للمؤسسة، وفي الجنوب عانت من غياب المنح والتمويل واقتصار المنظمات هناك على الإغاثة. أما الصحيفة الورقية فعانت من احتكار المطابع والتسبب بطباعة سيئة متعمدة لعددين متتاليين جراء ما وصفتها الهاشلي بـ"عقدة الذكور المتجذرة" تجاه قيادة نسوية.

 

توقف قسري وبقاء متأرجح

ومن أبرز المنصات الرقمية التي افتقدتها الساحة الإعلامية منصة "تاء مربوطة"، التي بدأت كجزء من مخرجات مشروع سيف سستر، الذي دعم عدداً من الصحفيات بتدريبات نوعية ومنحة مالية محدودة لإتمام مشاريعهن.

قالت الصحفية عبير عبدالله، رئيسة تحرير المنصة للوطن توداي: تأسسنا عام 2020 كمخرج من برنامج "سيف سستر" بدعم مركز الإعلام الثقافي ومنظمة "إنترنيوز"، خصصنا المنصة لقضايا الأمان الرقمي ومناهضة الابتزاز، وربط الضحايا بمحامين وتقنيين.

حصلت تاء مربوطة في البداية على منح بسيطة، منها 1000 دولار، أُنشئت بها المنصة، ثم مشروع آخر محدود الدعم كان يشترط التحكم بالمواد وصياغتها وقوالبها، ووصل حد سلب الحرية التحريرية، بحسب عبير عبدالله، التي أضافت: وبسبب غياب الدعم المالي المستقر، لم نتمكن من بناء فريق ثابت، بل كنا نستعين بمتعاونين وقت توفر التمويل.

وكان لموقع "ريفلكشن عربي"، الذي أُنشئ عام 2023 كمنصة متخصصة بالقضايا الدينية لمعالجة التشدد المؤدي للعنف، تطور ملحوظ من خلال النشر المستمر وتفعيل وسائل التواصل.

وعن تلك التجربة تقول الصحفية حفصة عوبل: كان لدينا فريق مكون من ستة أفراد، لكن الصعوبة الرئيسية تمثلت في غياب الدعم المالي؛ حيث لم نتحصل إلا على منحة واحدة قصيرة، وتوقف الموقع تماماً بعد ذلك.

كذلك الحال بالنسبة لمنصة "أروى"، التي تأسست في أغسطس 2021 بجهود نسوية وعمل تطوعي، وتوقفت تدريجياً في نوفمبر 2022.

واجهت المنصة عدة تحديات إلى جانب غياب التمويل، من بينها صعوبات في النزول الميداني للصحفيات في بلد مليء بالمخاطر، أدى ذلك إلى تفكك الفريق وتوقفت الكثيرات بسبب الالتزامات العائلية وتفضيلهن الابتعاد عن المخاطر والبحث عن أعمال أخرى أكثر عائداً وأماناً، بحسب أحلام المخلافي رئيسة التحرير.

أما موقع "قشن برس"، الذي تأسس مطلع 2020 ليعبر عن صوت محافظتي المهرة وسقطرى شرق اليمن بعيداً عن التجاذبات السياسية، فأصبح اليوم أمام اختيارات صعبة بين الإيقاف الكلي أو بيع الموقع.

تقول رئيسة التحرير عفاف محمود عن قشن برس: رغم النجاح الذي حققته المنصة بتحولها إلى مصدر موثوق للإعلاميين والباحثين، وتجسيدها لتجربة إعلامية رائدة بقيادة نسائية، إلا أن توقف الدعم والمنح منذ بداية عام 2023 وضعنا أمام أزمة تشغيلية حادة.

تضيف عفاف: لقد اختار فريقنا مواصلة العمل تطوعاً إيماناً بالنفع العام ورفضاً للمساس باستقلالية خطنا التحريري، لكن التضحية الفردية لا تشكل نموذجاً مالياً مستداماً. اليوم نجد أنفسنا أمام خيار مرّ، ونناقش بجدية طرح المنصة للبيع لضمان بقائها.

 

حلول ممكنة للبقاء

أجرت صحيفة الوطن توداي استطلاعاً حول التحديات التي تواجه المنصات والمواقع الإخبارية والمؤسسات الإعلامية التي تديرها النساء، والحلول الممكنة للتغلب عليها، شاركت في الاستطلاع 12 صحفية ممن كان لهن دور قيادي في عدة مؤسسات إعلامية.

أظهرت النتائج أن نقص التمويل والظروف السياسية والأمنية هما التحديان الأبرز أمام استمرار المنصات الإعلامية المستقلة في اليمن، وبينت أن أكثر من 91%  من المنصات، تعتمد بدرجة كبيرة إلى كبيرة جداً، على المنح الخارجية، مما يجعل توقف التمويل السبب الرئيسي لتعثرها أو توقفها.

 

 

كما تواجه المنصات التي تقودها نساء تحديات إضافية تتصدرها المخاطر والقيود الأمنية، والتحديات الاجتماعية وصعوبة الوصول للتمويل.

ولضمان الاستدامة، اقترحن المشاركات في الاستطلاع أن الحلول الأكثر واقعية تكمن في تنويع مصادر التمويل والحصول على منح طويلة الأجل، إلى جانب تطوير نموذج اقتصادي خاص بالمنصة، مع البحث عن حلول بديلة تقلل النفقات التشغيلية من تكاليف تصميم المواقع والاستضافة كي لا تتعرض للحذف حتى في حال لم تحصل المؤسسات على دعم مالي غير مشروط.


 

قيود يمكن تجاوزها

وترى الصحفية رانيا عبدالله التي سبق لها العمل في مشاريع دعم الإعلام النسوي المستقل أن الحديث عن استدامة المنصات الإعلامية المستقلة في اليمن، وخاصة التي تقودها النساء، لا يتوقف عند مناقشة نقص التمويل فقط، بل يمتد إلى كونه أزمة هيكلية تتداخل فيها القيود المجتمعية مع الاستقطاب السياسي.

وترجع رانيا معاناة المؤسسات النسائية إلى ما تصفه "حرمان ممنهج من شبكات العلاقات العامة والمجالس الاجتماعية، كالمقايِل، التي يستغلها عادة الرجال لبناء العلاقات وجلب الدعم، إضافة للهجوم المجتمعي المتكرر عند الانخراط في الشأن العام."

وتكمن المشكلة الكبرى في "المنح قصيرة الأجل" والمشاريع السريعة التي لا تبني مؤسسات قوية، بل تجعلها في حالة عوز دائم، وفقا لرانيا التي دعت إلى ضرورة تغيير نهج المانحين والانتقال نحو تمويل مؤسسي مرن وطويل الأجل يغطي التكاليف التشغيلية والتطوير التكنولوجي والإداري، إضافة إلى ابتكار مصادر دخل بديلة، وتقديم خدمات إعلامية، وتنفيذ حملات توعوية، وتنظيم تدريبات وإعلانات هادفة تتوافق مع الخط التحريري، مع أهمية التشبيك الاستراتيجي وبناء شراكات بين المنظمات الحقوقية والمنصات المستقلة لتولي الأخيرة تنفيذ الحملات الإعلامية، كونها الأقدر على الوصول للجمهور.

من جانبه، يرى بسام غبر، الباحث في الصحافة وتطوير الإعلام، أن المنصات التي تقودها النساء تتحمل عبئاً مضاعفاً يجمع بين بيئة العمل المعقدة، المخاطر الأمنية وتراجع ثقة الجمهور جراء الاستقطاب السياسي، والعوائق الخاصة كصعوبة الوصول للتمويل وضغوط الأعراف النمطية.

وحول جانب الدعم، بالنسبة لغبر فإن المشكلة تكمن في تعامل المانحين مع الإعلام كمشاريع مؤقتة تنتهي بانتهاء أهدافها، بينما طبيعة الصحافة تتطلب الاستدامة.

ولتجاوز الإغلاق وتأمين الاستمرارية للمواقع التي تقاوم التوقف حالياً، ينصح غبر بالتركيز على إعادة توجيه دعم المانحين ومراعاة خصوصية الواقع اليمني عبر تمويل حوكمة المؤسسات وبنيتها، أو تشجيع خيار "دمج المنصات الناشئة" لبناء كيانات صحفية قوية.

ويضيف غبر: لابد من التأكيد على التسويق والتوزيع والبناء الرقمي من خلال بناء حضور رقمي متين وتحديد الجمهور المستهدف بدقة، حيث لا يكفي التحرير الجيد وحده دون استراتيجية تسويق وتوزيع تصل للمتابعين والداعمين.

من "المنتهى نت" إلى "قشن برس" و"تاء مربوطة" ومنصة "أروى" ومنصة "شيدر"، وغيرها الكثير من المنصات كـ"فحافيح" و"حزاية" و"صوتك"، وهي منصة إلكترونية لمواجهة العنف القائم على النوع الاجتماعي، وموقع "صوت المهمشين"، ومنصة "نساء أبين"، ومنصة "نون وشين".

كل تلك التجارب التي برزت وانتهت، أو التي مازالت تقاوم، تستحق تسليط الضوء عليها ونقل تجربتها، لتكون مرجعاً لأي مشاريع جديدة مستقلة قد تنطلق بقيادة نسوية إعلامية، لا يبنى عليها وحسب، بل يستفاد منها لتجاوز ما وقعت فيه.

 

 

هذه المادة أنتجت ضمن مشروع دعم الصحافة المستقلة في اليمن بالشراكة مع مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي.

تناول البيض أسبوعياً قد يرتبط بانخفاض خطر الإصابة بخرف الزهايمر


مستشفى باصهيب العسكري ينعي استشهاد الممرض والمسعف عبدالستار صالح أثناء إسعاف الجرحى


بدعم من منظمة (ADRA) وابتكار "مبادرة الحلول الإبداعية" تستقبل إدارة التربية بدار سعد مشروع "السلة الذكية".. لفرز النفايات بمدارس المديرية لتعزيز التغيير السلوكي للأطفال


مواطنة تطالب بتحقيق مستقل في وفاة موظف أممي أثناء احتجازه لدى الحوثيين