نساء خارج المشهد
تعدّ مشاركة النساء في مواقع صنع القرار ركيزة أساسية لبناء دولة عادلة وقادرة على احتضان كل مواطنيها. إلا أنّ هذه المشاركة تعرّضت خلال السنوات الماضية لإقصاء قاسٍ، تراكمت جذوره عبر عقود طويلة، ثم تفاقم بصورة غير مسبوقة بعد حرب عام 2015. وهكذا وجد نصف المجتمع نفسه خارج دائرة التأثير الحقيقي . نصفٌ يملك القدرة والطاقة والجدارة، لكنه بقي للأسف خارج المشهد!
إن إقصاء النساء ليس مجرد خطأ سياسي أو قصور في الرؤية، بل هو اختلال قانوني ودستوري و نزيف وطني مستمر، يعرقل كل مساعي بناء الدولة وتحقيق السلام المستدام. فغياب النساء عن مواقع صنع القرار لا يعني فقط غياب أصواتهن، بل يعني أيضاً إقصاء كفاءات وخبرات و قيمة لا تُقدّر بثمن. ومع كل موقع يُغلق في وجه امرأة مؤهلة ذات كفاءة ، تهتز ثقة المجتمع الدولي بجدية المسار الإصلاحي في اليمن.
ومن هنا، فإن وجود إرادة سياسية صادقة لتمثيل النساء لم يعد ترفاً سياسياً، ولا مجاملة شكلية، بل هو ضرورة وطنية عاجلة يجب أن تُترجم إلى خطوات واضحة وشجاعة تزيل العوائق البنيوية التي كبّلت النساء لسنوات، وتُنهي سياسات التهميش التي استنزفت طاقات المجتمع. فاستمرار هذا الإقصاء ليس مجرد ظلم، بل هو إهدار مؤلم لفرص التنمية و إخلال صريح بمبادئ العدالة والمساواة والمواطنة المتساوية.
لقد حمل تصريح فخامة رئيس مجلس القيادة الرئاسي مؤخراً بارقة أمل للنساء، وسبقه تصريح رئيس الوزراء في مارس 2024. غير أنّ هذه التصريحات — رغم أهميتها — تبقى وعوداً معلّقة ما لم تتحول إلى قرارات تترسخ في مؤسسات الدولة وتضمن فرصاً متكافئة للنساء والرجال دون تمييز أو انتقاص.
كما أن الشريعة الإسلامية لا تمنع النساء من الوصول إلى القيادة وصنع القرار، ولا يوجد في القوانين اليمنية ولا الدستور ما يحول دون ذلك؛ بل يؤكد الدستور مبدأ المواطنة المتساوية وتكافؤ الفرص. فكيف يُحرم نصف المجتمع من حق صريح أقرّته الشريعة والقانون والدستور؟ وكيف تُقصى نساءٌ يشكلن نصف الوطن، والمسؤولات عن إنجاب وتربية النصف الآخر؟
ومن هذا المنطلق، يجب أن تتحول التصريحات الرسمية من رئيس مجلس القيادة الرئاسي ورئيس الوزراء إلى التزامات وطنية حقيقية يتبناها المدافعون عن حقوق الإنسان والنساء، وأن تُطرق كل الأبواب، ويُرفع كل صوت، في سبيل ضمان وصول المرأة إلى مواقع صنع القرار. فالإصلاحات الهيكلية لم تعد مجرد خيار، بل هي ضرورة لإنقاذ العملية السياسية نفسها، وضمان وجود النساء كشريك أصيل في مفاوضات وعمليات السلام، انسجاماً مع التزامات اليمن أمام المجتمع الدولي.
ولا ينبغي أن نهلل فرحاً كلما عُيّنت امرأة أو اثنتان؛ فهذه خطوات رمزية لا تُعيد الحق لأصحابه. ما نريده هو حق كامل غير منقوص، يستند إلى الكفاءة والقدرة و الجدارة، لا إلى نظرة قاصرة تعتبر المرأة "ديكوراً سياسياً" .
ولهذا، تحتاج بلادنا إلى إنشاء وحدة تنفيذية للشمول الاجتماعي تابعة لمجلس الوزراء و أخرى تابعة لمجلس القضاء الأعلى، تضمن أن تكون كل السياسات والقرارات منسجمة مع مبادئ المواطنة المتساوية، وأن تلتزم مؤسسات الدولة بالتعيينات النسائية وفق الدستور. كما يجب المضي نحو إقرار نصوص قانونية ودستورية تُلزم بتخصيص ما لا يقل عن 30% من مواقع صنع القرار للنساء، كمرحلة أولى، ترتفع تدريجياً إلى 50%، باعتبارها النسبة العادلة التي تعكس حقيقة المجتمع وتركيبته. فوجود نص ملزم وواضح هو السدّ الوحيد الذي يمكنه أن يوقف سياسات الإقصاء ويضمن مكاناً عادلاً للنساء في الدولة.
وفي النهاية، علينا أن ندرك — وبكل وضوح — أن إقصاء النساء ليس خسارة لهن وحدهن، بل خسارة للوطن بأكمله. إنه إخلال بالحقوق الدستورية، وتعطيل لطاقة مجتمع بأكمله يحلم بدولة عادلة، وسلام دائم، ومساواة حقيقية. فدخول النساء إلى المشهد ليس شعاراً ولا مطلباً نسوياً، بل خطوة لإنقاذ الدولة نفسها.
د. رواء عبدالله مجاهد