مقارنة مُختلّة تُزيّف السياسة وتُشوّه التاريخ

إن الطرح الإعلامي الذي يقارن بين (10) سنوات يُحمَّل فيها الجنوبيون مسؤولية نهب يُعادِل (30) سنة من حكم نظام صالح، هو طرح غير دقيق ومجحف، لأنه يقوم على مقارنة مختلّة تتجاهل السياق السياسي والتاريخي الحقيقي لما جرى ويجري.

نظام صالح لم ينهَر بوصفه منظومة حكم، بل أعاد إنتاج نفسه بأشكال متعددة. شبكات النفوذ، أدوات التحكم بالمؤسسات، وآليات الفساد ما زالت قائمة وتُدير المشهد فعليًا، شمالًا وجنوبًا. وعليه، فإن السؤال المنطقي ليس: ماذا قدّم الجنوبيون خلال عشر سنوات؟ بل: لماذا تعمل بقايا نظام صالح، من الشمال والجنوب معًا، على تدمير ما تبقّى بدل الحفاظ عليه؟ ولماذا يستمر النهب باعتباره نهبًا للمال العام لا موارد دولة، لأن الدولة عمليًا غائبة، وما هو قائم سلطة سياسية تستمد شرعيتها من دعم خارجي يضمن استمرارها لا بناءها؟

سُلِّم صالح دولة مؤسسات وموارد بشرية حقيقية، لكنه انقلب على العهد والاتفاق، وشن حربًا على الجنوب، كما شن الحوثيون حربهم لاحقًا للوصول إلى عدن. الفارق أن الحوثيين خرجوا مهزومين، بينما تعامل صالح مع الجنوب بوصفه ملكية خاصة، قطعة أرض يملك ما فوقها وما تحتها، وقسّم المجتمع إلى طبقات وفئات، وأدار الحكم بالمال والسلاح والسجون والتهجير والقتل، وحكم اليمن على أكوام من الجماجم. هذه مسؤولية تاريخية كاملة لا يجوز القفز عليها أو تبييضها بمقارنات انتقائية مضلِّلة.

أما الجنوبيون الذين وصلوا إلى السلطة لاحقًا، فلم يصلوا عبر مسار دولة طبيعي، بل عبر حرب فرضت أشخاصًا وواقعًا هشًا، وأبقت السياسة الخارجية المسيطرة هذا الواقع في حالة أزمة دائمة. مدن تحررت ولم تعد ساحات قتال، وكان يفترض أن تنتقل إلى مرحلة التطبيع، وسحب القوات العسكرية من المدن، والبدء بالإعمار والتنمية. هذا لم يحدث، ليس فقط بسبب إخفاقات داخلية، بل لأن سياسات داخلية وخارجية تعمّدت تعطيل أي انتقال فعلي إلى مرحلة الدولة، كما حدث ويحدث في دول أخرى خضعت للمسار ذاته.

الخلاصة مما تقدم، أن المسؤولية في الحالة الأولى تقع كاملة على عاتق صالح ونظامه، عن التدمير للإنسان والدولة، والنهب والجرائم. أما في الحالة الثانية، فالمسؤولية موزّعة بين فاعلين محليين ومنظومة إقليمية ودولية تُدير الأزمة وتستفيد من استمرارها.

ومع ذلك، وفي كلتا الحالتين، لا تبرير لأي جريمة، ولا شرعية لأي فساد، ولا عدالة في تحميل طرف واحد وزر منظومة كاملة ما زالت قائمة، أو أخطاء فردية ارتكبها أشخاص بعينهم.

مقالات الكاتب