الدور الخفي للقابلات: رعاية صحية ودعم نفسي لضحايا العنف
"الدعم النفسي جزء لا يتجزأ من عملي كقابلة، خلال رعايتي للمرأة الحامل، أحرص على تقديم الدعم النفسي اللازم، خاصة في حالات اكتئاب ما حول الولادة، سواء أثناء الحمل أو بعده". بهذا الكلمات تصف نائب مدير التثقيف الصحي بمكتب صحة تعز، فاتن البركاني، عملها كقابلة في دعم النساء المعفنات نفسيًا.
تعمل فاتن، كغيرها من القابلات، في مساعدة النساء على تجاوز المخاوف والقلق المرتبطين بمرحلة الحمل، وتوفير بيئة آمنة داخل المرفق الصحي، تضمن لها الخصوصية والسرية الكاملة، وتقديم النصح والمساندة النفسية حتى الولادة بسلام.
ولا يقتصر عمل فاتن على مساعدة النساء الحوامل، بل يصل إلى التعامل مع حالات العنف وفقًا لطبيعة الاعتداء الواقع على المرأة.
تقول البركاني: "يتم تحويل حالات العنف الجسدي غير الطارئة طبيًا إلى اتحاد نساء اليمن للدعم. أما حالات الاغتصاب فتُعالَج بـبروتوكول العنف الجنسي الذي يشمل منع الحمل الطارئ، ودعم نفسي فوري، وأدوية وقائية من فيروس نقص المناعة البشرية والأمراض المنقولة جنسيًا".
هذه الإجراءات، رغم بساطتها، تمثل طوق نجاة للنساء في بيئة يغيب فيها الدعم النفسي والاجتماعي.
أرقام ودعم ميداني
تشير بيانات "مسح تقييم توافر الموارد والخدمات الصحية في المرافق الحكومية" لعام 2024 الصادرة عن وزارة الصحة العامة والسكان في عدن، إلى أن عدد القابلات في اليمن يبلغ 8611، ويمثلن نحو 12% من إجمالي الكادر الصحي العامل في 22 محافظة. وتُقدّر نسبة توفر القابلات بحوالي 2.7 لكل 10,000 نسمة، ما يعكس فجوة كبيرة في الخدمات الصحية المقدمة للنساء، خاصة في المناطق النائية.
وتُعد أمانة العاصمة الأعلى كثافة سكانية في البلاد، حيث يبلغ عدد سكانها 3,869,414 نسمة، وتضم أكبر عدد من الكوادر الصحية بواقع 11,694 موظفًا. في المقابل، تُسجل محافظة سقطرى أدنى كثافة سكانية بـ 72,422 نسمة، ويعمل فيها 289 فقط من الكادر الصحي، ما يبرز التفاوت الكبير في توزيع الموارد البشرية الصحية بين المحافظات.
صندوق الأمم المتحدة للسكان في اليمن (UNFPA)، أفاد في تصريح خاص لمنصة هودج، أنه قدم الدعم لـ برنامج الصحة الإنجابية، وتحديدًا صحة الأمومة، وذلك عبر دعم وتدريب القابلات في 21 محافظة يمنية.
وقال إنه خلال السنوات القليلة الماضية، دعم أكثر من 500 قابلة لتوفير خدمات القبالة في المناطق الريفية والنائية والمرافق الصحية، مما يساهم في تحسين جودة الرعاية المقدمة للنساء والفتيات.
وبحسب الصندوق، فإنه تم تأهيل نحو 100 قابلة في اليمن في إطار برامج تدريبية على كيفية التعامل الشامل مع النساء المعنفات. شمل التدريب العلاج السريري، والدعم النفسي، وآليات الإحالة للجهات المختصة، لتعزيز قدرة القابلات على تقديم استجابة متكاملة لحالات العنف، خاصة في المناطق ذات الخدمات المحدودة.
القابلة كمحطة أولى للعلاج
تشير إحدى الدراسات إلى أن القابلات في اليمن، لا سيما في المناطق الريفية والنائية، يُعدن المصدر الوحيد للرعاية الصحية المتاحة للنساء والفتيات. وفي ظل غياب الخدمات المتخصصة، يضطلعن بدور محوري في تقديم الدعم والرعاية للناجيات من العنف الأسري والجنسي، مما يجعل حضورهن في المجتمعات المحلية ضرورة لا غنى عنها.
وعلى الرغم من أن غالبية القابلات في اليمن لم يحصلن على تدريب متخصص في التعامل مع حالات العنف، إلا أنهن يقمن بدور بالغ الأهمية. ووفقا للإخصائية النفسية، وفاء سعد، فإن الدور الذي تؤديه القابلات في تقديم الدعم النفسي يُعد محوريًا، خاصة عندما يتلقين تدريب متخصص في هذا المجال.
وأضافت سعد في حديثها لمنصة هودج، أن القابلات تُسهم بشكل فعّال في سد الفجوة الناتجة عن النقص الحاد في عدد الأخصائيين/ات النفسيين/ات، الذين نادرًا ما يتواجدون في القرى والمناطق النائية. حيث تمكنت العديد من القابلات من إحالة حالات اكتئاب ما حول الولادة إلى الأطباء النفسيين في وقت مبكر مما أدى إلى تحسن ملحوظ في الحالات وقدرة على استعادة التوازن النفسي، وممارسة حياتهن اليومية بشكل أفضل.
هذا الدور لا يخفف فقط من معاناة النساء، بل يخفف أيضًا العبء على النظام الصحي، ويعزز عمل القابلات المزدوج بين الرعاية الجسدية والنفسية.
دور يتجاوز التدريب
أجرت معدّة التقرير مقابلات مع سبع قابلات يعملن في محافظات يمنية مختلفة، شملت تريم (حضرموت)، عدن، تعز، صنعاء، الجوف، وريمة. وتراوحت خبراتهن العملية في مجال القبالة بين عامين وثلاثين عامًا، ما يعكس تنوع في التجربة والممارسة الميدانية. ومن بينهن، أفادت قابلة واحدة فقط، وهي "فاتن" من محافظة تعز، بأنها تلقت تدريب متخصص في تقديم الدعم النفسي للنساء، وذلك ضمن برنامج صندوق الأمم المتحدة للسكان، مما يشير إلى محدودية التدريب رغم أهميته في التعامل مع المعنفات واللواتي يعانين من اضطرابات نفسية مرتبطة بالحمل والولادة.
وتوضح مديرة برنامج القبالة بوازرة الصحة والسكان، منى عوض، أن البرامج التدريبية في الجانب النفسي والاجتماعي للقابلات لا تزال محدودة جدًا، رغم الحاجة الملحة. ومن خلال احتكاكها المباشر بالقابلات، لاحظت أن معظم القابلات يقدمن الدعم النفسي للأمهات بطريقة عفوية نابع من حسهن الإنساني، لا من تدريب منهجي
مضيفة، بأن التدريبات تقتصر على البرامج المقدمة من قبل المنظمات الداعمة، والتي غالبا تركز على الجوانب الطبية الأساسية.
مهمة إنسانية مزدوجة
ووفقًا للمقابلات التي أجرتها معدّة التقرير، أكدت جميع القابلات المشاركات أنهن يقمن بدور فعّال في دعم النساء نفسياً ومعنوياً، إلى جانب الرعاية الصحية الجسدية.
وترى القابلة رويدا عبد الله من مدينة تريم أن مرافقة الأم الحامل طيلة فترة الحمل تُعد مهمة إنسانية بالغة الأهمية، تتجاوز الجوانب الطبية إلى الدعم النفسي الذي تحتاجه المرأة خلال فترة الحمل، خاصة مع التغيرات الهرمونية والجسدية التي تؤثر على حالتها النفسية.
من جهتها، تعتبر القابلة جميلة مخشف من مستشفى الصداقة في عدن أن الدعم النفسي جزء لا يتجزأ من مهمتها الإنسانية، مشيرة إلى أن تهدئة الأم وطمأنتها وشرح ما تمر به بطريقة مبسطة يسهم في تخفيف التوتر ويساعدها على الاسترخاء. كما تؤكد أهمية التغذية الجيدة أثناء الولادة وبعدها، لما لها من أثر مباشر على الصحة النفسية والجسدية للأم.
أما القابلة تغريد الدجة من محافظة الجوف، فتوضح أن مهام القابلة تتجاوز الجانب الجسدي، إلى الدعم النفسي والاجتماعي، خاصة للأمهات الجدد. وتضيف أن تقديم الدعم العاطفي يسهم في تخفيف مشاعر القلق والخوف، ويعزز ثقة المرأة بنفسها خلال مراحل الحمل والولادة وما بعدها.
وتؤكد القابلة سميرة فراس من محافظة صنعاء، أنها تحرص على تشجيع النساء وتحفيزهن على الولادة الطبيعية بدلًا من القيصرية، من خلال إعادة بناء الثقة بالنفس، خاصة في الحالات التي تعاني من مضاعفات مثل النواسير، الالتهابات، أو التشققات التي لم تُعالج بشكل صحيح، والتي قد تؤدي لاحقًا إلى خلافات زوجية وفقدان الثقة.
وتضيف سميرة أنها تقدم ما تستطيع من استشارات وعلاج نفسي، وتقوم بإحالة الحالات التي توافق على الإفصاح للطبيب الشرعي المختص، بينما تلتزم الصمت وتحترم خصوصية النساء اللواتي يفضلن التكتم، مؤكدة أن احترام قرار المرأة جزء لا يتجزأ من الدعم النفسي الذي تقدمه.
في ظل التحديات الصحية والإنسانية التي تواجهها النساء في اليمن، يبرز دور القابلات كركيزة أساسية في تقديم الرعاية المتكاملة.
إن تعزيز برامج التدريب النفسي والاجتماعي للقابلات لا يُعد ترف، بل ضرورة ملحّة لضمان سلامة الأمهات وتعافيهن، خاصة في البيئات الهشة والمناطق النائية. فالقابلة ليست مجرد مقدّمة خدمة صحية، بل هي صوت الطمأنينة، ويد الأمان، ورفيقة الطريق في رحلة الحياة.
نُشرت هذه المادة في منصة هودج، صحيفة الوطن توداي تعيد نشرها بناء على مذكرة تفاهم مشتركة تتعلق بنشر المواد الصحفية التي يتم إعدادها في إطار مشروع "دعم الإعلام في اليمن".